كيف عدت إلى التقنية لا كمتابع… بل كصانع
هناك شغف لا يغادر صاحبه، حتى لو ابتعد عنه لسنوات.
بعض الأشياء لا تنطفئ، بل تهدأ قليلًا، تراقب من بعيد، ثم تعود في اللحظة التي تصبح فيها أكثر نضجًا ووضوحًا. بالنسبة لي، كانت التقنية واحدة من هذه الأشياء.
بدأت علاقتي الحقيقية مع هذا العالم في عام 2010، حين أطلقت موقعي التقني الأول "تقنية الحاسب – Taqneh". في ذلك الوقت، لم يكن الأمر مجرد تجربة عابرة، بل كان مساحة أعيش فيها شغفي اليومي بالأجهزة، والبرامج، والأخبار التقنية، وكل ما يتصل بهذا العالم المتجدد. كنت أكتب لأنني أحب، وأتابع لأنني مؤمن أن التقنية ليست مجرد أدوات، بل طريقة جديدة لفهم الحياة وصناعة المستقبل.
استمر الموقع حتى عام 2012، ثم توقّف.
تدخلت الظروف، وتبدلت الأولويات، وخرجت من المشهد. لكن الحقيقة أنني لم أخرج من التقنية يومًا. توقفت عن النشر، نعم، لكنني لم أتوقف عن المتابعة. بقيت قريبًا من هذا العالم، أراقب تغيراته، وأشاهد تسارعه المذهل، وكأن بداخلي يقينًا صامتًا أن العودة ستأتي يومًا ما، ولكن بشكل مختلف.
لم أكن أعرف حينها أنني لن أعود ككاتب أخبار أو متابع شغوف فحسب، بل سأعود كمن يريد أن يبني شيئًا بيده.
في بداية 2025، حاولت دخول عالم البرمجة من بوابة بايثون والتصميم. كانت محاولة جادة، لكنها لم تلمسني بالقدر الذي يجعلني أستمر. لم أشعر وقتها أنني وجدت المسار الذي أنتمي إليه، فتوقفت.
لكن أحيانًا، لا تبدأ الرحلات الكبرى من الشغف وحده، بل من الحاجة.
كنت أبحث عن تطبيق يساعدني في متابعة تقدمي في قراءة القرآن الورقي. شيء بسيط في فكرته، لكنه مهم في أثره. كنت أريد وسيلة عملية وواضحة تسجل تقدمي اليومي، دون أن أضطر إلى الاعتماد على الورق الخارجي أو العلامات التقليدية داخل المصحف.
بحثت طويلًا.
في متجر آبل، وفي متجر جوجل، وحتى عبر محركات البحث. ظننت أن هذا النوع من التطبيقات لا بد أن يكون موجودًا، لكن النتيجة كانت مفاجئة: لم أجد ما يحقق الفكرة بالشكل الذي أريده.
وهنا حدث التحول الحقيقي.
بدل أن أكتفي بالقول: "لم أجد التطبيق المناسب"، طرحت سؤالًا مختلفًا:
لماذا لا أصنعه أنا؟
ربما كان هذا السؤال هو اللحظة التي انتقلت فيها من عقلية المستخدم إلى عقلية الصانع.
في هذه اللحظة دخل الذكاء الاصطناعي المشهد، لا كبديل عني، بل كعامل مساعد فتح لي بابًا كنت أظنه مغلقًا. سألته عن الفكرة، عن إمكانية تنفيذها، عن وجود تطبيق مشابه، فكانت الإجابة واضحة:
لا يوجد حل مطابق لما تبحث عنه… لكن يمكنك أن تبنيه.
ومن هنا بدأت رحلة مختلفة تمامًا.
دخلت إلى ما يسمى اليوم بـ Vibe Coding، أو البرمجة بمساعدة الذكاء الاصطناعي. لكن ما أريد قوله بوضوح هو أن هذه التجربة لم تكن مجرد نسخ كود ولصقه، كما يتصور البعض. لم يكن الذكاء الاصطناعي هو من "بنى" بدلًا عني، بل كان أداة تحتاج إلى توجيه، وفهم، وصبر، ومراجعة مستمرة.
كانت الرحلة مليئة بالأخطاء، والتجارب غير الناجحة، والإحباطات الصغيرة التي لا يراها أحد. لكن وسط كل ذلك، كان هناك شيء يتشكل بهدوء: ثقة جديدة بالنفس.
من هذه الرحلة وُلد أول تطبيق لي: "آيات".
ولم يكن هذا التطبيق بالنسبة لي مجرد منتج رقمي، بل كان لحظة شخصية عميقة جدًا. كان الدليل الأول على أن الفكرة حين تقترن بالإصرار، ومعها الأدوات المناسبة، يمكن أن تتحول إلى شيء حقيقي يراه الناس ويستخدمونه.
"آيات" لم يكن مجرد حل لمشكلة واجهتني شخصيًا، بل كان أيضًا إعلانًا داخليًا بأن حاجز الخوف قد سقط. الخوف من البرمجة، من التعقيد، من البدايات المتأخرة، من فكرة أن بناء التطبيقات حكر على من درسوا أكاديميًا أو دخلوا هذا المجال مبكرًا.
هذه التجربة جعلتني أرى التقنية بشكل مختلف.
لم تعد التقنية بالنسبة لي أخبارًا أقرؤها أو منتجات أتابعها، بل أصبحت مساحة أشارك فيها بالفعل. لم أعد أكتفي بسؤال: "ما الجديد؟" بل بدأت أسأل: "ما الذي يمكنني أن أبنيه؟"
تطبيق "آيات" كان البداية، لكنه لم يكن النهاية.
بعده بدأت الرؤية تتسع، والطموح يكبر، والإيمان بأن التقنية يمكن أن تصنع أثرًا حقيقيًا أصبح أقوى من أي وقت مضى.
اليوم أعمل على مشاريع جديدة، لكل واحد منها روحه الخاصة ورسالة مختلفة:
ما يجمع بين هذه المشاريع ليس فقط الجانب التقني، بل الرغبة في بناء منتجات تحمل فكرة، وتحل مشكلة، وتقدم شيئًا له معنى.
لأنني لا أريد أن أعرض النتائج فقط، بل أريد أن أوثق الرحلة نفسها.
أريد لهذه المدونة أن تكون مساحة أشارك فيها ما أتعلمه، وما أبنيه، وما أكتشفه في الطريق. مساحة للكود، نعم، لكن أيضًا للأسئلة، والتجارب، والقرارات، والأخطاء، والدروس التي لا تظهر في النسخ النهائية من المنتجات.
أكتب لأننا نعيش لحظة استثنائية في تاريخ التقنية.
الذكاء الاصطناعي لم يعد فكرة مستقبلية، بل أصبح أداة يومية قادرة على تغيير طريقة التعلم، والعمل، والبناء. وهذا التغير لا يعني أن الإنسان أصبح أقل أهمية، بل يعني أن قيمة الإنسان أصبحت في فكرته، وفي قدرته على توظيف الأدوات، وفي شجاعته أن يبدأ.
رسالتي لكل من يقرأ هذه الكلمات بسيطة:
أحيانًا، كل ما تحتاجه فعلًا هو مشكلة حقيقية تؤمن بها، وفكرة واضحة، واستعداد لأن تتعلم أثناء الطريق.
عدت إلى التقنية بعد سنوات من الغياب، لكنني لم أعد إليها بنفس الشخص الذي غادرها.
عدت وأنا أفهمها بشكل أعمق، وأقدّرها بشكل مختلف، وأرى فيها فرصة لصناعة أثر حقيقي، لا مجرد متابعة لما يصنعه الآخرون.
هذه المدونة هي بداية هذا الفصل الجديد.
هنا سأشارك رحلتي كما هي:
بما فيها من بناء، وتعلّم، وتحديات، وإحباطات، ولحظات انتصار صغيرة تصنع في النهاية فرقًا كبيرًا.
مرحبًا بكم في المساحة التي أعود فيها إلى قلبي الأول: التقنية.
لكن هذه المرة، لا كمتابع فقط… بل كصانع.